أحمد ابراهيم الهواري

138

من تاريخ الطب الإسلامي

وفي خطط مصر التي وضعتها الحملة الفرنسية على مصر من سنة 1798 إلى سنة 1801 قال المسيو جومارا Gomara أحد العلماء الذين استقدمهم نابليون مع الحملة : أنشئ في القاهرة منذ خمسة قرون أو ستة ، عدة مارستانات تضم الأعلّاء والمرضى والمجانين ، ولم يبق منها سوى مارستان واحد هو مارستان قلاوون ، تجتمع فيه المجانين من الجنسين . ومارستان القاهرة هذا لا يزال أكثر شهرة من مارستان دمشق ، وقد كان في الأصل مخصصا للمجانين ثم جعل لقبول كل نوع من الأمراض ، وصرف عليه سلاطين مصر مالا وافرا ، وأفرد فيه لكل مرض قاعة خاصة وطبيب خاص ، وللذكور فيه قسم منعزل عن قسم الإناث . وكان يدخله كل المرضى فقراء وأغنياء بدون تمييز ، وكان يجلب إليه الأطباء من مختلف جهات الشرق ويجزل لهم العطاء ، وكانت له خزانة شراب « صيدلية » مجهزة بالأدوية والأدوات . ويقال : إن كل مريض كانت نفقاته في كل يوم دينارا ، وكان له شخصان يقومان بخدمته . وكان المؤرقون من المرضى يعزلون في قاعة منفردة يشنفون فيها آذانهم بسماع ألحان الموسيقى الشجية أو يتسلون باستماع القصص يلقيها عليهم القصاص . وكان المرضى الذين يستعيدون صحتهم يعزلون عن باقي المرضى ويمتعون بمشاهدة الرقص ، وكانت تمثل أمامهم الروايات المضحكة وكان يعطى لكل مريض حين خروجه من المارستان خمس قطع من الذهب ، حتى لا يضطر إلى الالتجاء إلى العمل الشاق في الحال . وبنى السلطان قلاوون المدرسة التابعة للمارستان في المكان الذي هي فيه في الوقت الحاضر وكان يدرس فيها الطب والفقه . وقال بريس دافن « 1 » Prisse d ; avennes كانت قاعات المرضى تدفأ بإحراق البخور أو تبرد بالمراوح الكبيرة الممتدة من طرف القاعة إلى الطرف الثاني ، وكانت أرض القاعات تغطي بأغصان شجر الحناء أو شجر الرمان ، أو شجر المصطكي أو بسعاليج الشجيرات العطرية . وكان البلسان « 2 » يؤتى به من عين شمس إلى المارستان لعلاج المرضى . وقد كان يصرف من

--> ( 1 ) - Prisse d'avennes : L'Art Arabe ; les monuments du caire Paris 1877 . ( 2 ) - جاء في كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس حوادث سنة 914 ه : ومن النوادر أن البلسان وهو الذي يسمونه البلسم كان قد انقطع زريعته من أرض المطرية في أوائل سنة 900 ه وكانت مصر تفخر بذلك على سائر البلاد وكانت ملوك الفرنج تتغالى في دهن هذا البلسم ويشترونه بثقله ذهبا ولا يتم عندهم التنصر حتى يضعوا من دهنه شيئا في ماء المعمودية وينغمسون فيه وكان يستخرج دهنه في فصل الربيع في برمهات . فلما انقطعت زريعته من أرض المطرية تنكر السلطان لذلك ولا زال يفحص عن أمره حتى أحضر إليه بلسان برى من بعض أماكن الحجاز وهو في طينه فزرعه في المطرية في مكانه المشهور به فنتج وطلع لما سقى من ماء تلك البئر التي هناك فنتج في هذه السنة وطلع ما كان قد بطل أمره من مصر فعدّ ذلك من محاسن الملك الأشرف قانصوه الغورى .